فخر الدين الرازي
74
تفسير الرازي
امرأة فرعون يغتسلن فوجدن التابوت فأخذنه فسمي باسم المكان الذي أصيب فيه وهو الماء والشجر . واعلم أن الوجهين الأولين فاسدان جداً ، أما الأول : فلأن بني إسرائيل والقبط ما كانوا يتكلمون بلغة العرب فلا يجوز أن يكون مرادهم ذلك ، وأما الثاني : فلأن هذه اللفظة اسم علم واسم العلم لا يفيد معنى في الذات والأقرب هو الوجه الثالث وهو أمر معتاد بين الناس ، فأما نسبه صلى الله عليه وسلم فهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام . أما قوله تعالى : * ( أربعين ليلة ) * ففيه أبحاث : البحث الأول : أن موسى عليه السلام قال لبني إسرائيل : إن خرجنا من البحر سالمين أتيتكم من عند الله بكتاب بين لكم فيه ما يجب عليكم من الفعل والترك ، فلما جاوز موسى البحر ببني إسرائيل وأغرق الله فرعون قالوا : يا موسى ائتنا بذلك الكتاب الموعود فذهب إلى ربه ووعدهم أربعين ليلة وذلك قوله تعالى : * ( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة ) * ( الأعراف : 142 ) واستخلف عليهم هارون ومكث على الطور أربعين ليلة وأنزل الله التوراة عليه في الألواح ، وكانت الألواح من زبرجد فقربه الرب نجياً وكلمه من غير واسطة وأسمعه صرير القلم ، قال أبو العالية وبلغنا أنه لم يحدث حدثاً في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور : البحث الثاني : إنما قال أربعين ليلة لأن الشهور تبدأ من الليالي . البحث الثالث : قوله تعالى : * ( وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ) * معناه واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة كقولهم : اليوم أربعون يوماً منذ خرج فلان ، أي تمام الأربعين ، والحاصل أنه حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ، كما في قوله تعالى : * ( واسأل القرية ) * ( يوسف : 82 ) وأيضاً فليس المراد انقضاء أي أربعين كان ، بل أربعين معيناً وهو الثلاثون من ذي القعدة والعشر الأول من ذي الحجة لأن موسى عليه السلام كان عالماً بأن المراد هو هذه الأربعون ، وأيضاً فقوله تعالى : * ( وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ) * يحتمل أن يكون المراد أنه وعد قبل هذه الأربعين أن يجيء إلى الجبل هذه الأربعين حتى تنزل عليه التوراة ، ويحتمل أن يكون المراد أنه أمر بأن يجيء إلى الجبل هذه الأربعين ووعد بأنه ستنزل عليه بعد ذلك التوراة ، وهذا الاحتمال الثاني هو المتأيد بالأخبار . البحث الرابع : قوله ههنا : * ( وإذا واعدنا موسى أربعين ليلة ) * يفيد أن المواعدة كانت من أول الأمر على الأربعين ، وقوله في الأعراف * ( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر ) * يفيد أن المواعدة كانت في أول الأمر على الثلاثين فكيف التوفيق بينهما ؟ أجاب الحسن البصري فقال : ليس المراد أن وعده كان ثلاثين ليلة ثم بعد ذلك وعده بعشر لكنه وعده أربعين ليلة جميعاً ، وهو كقوله : * ( ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ) * ( البقرة : 196 ) . أما قوله تعالى : * ( ثم اتخذتم العجل من بعده ) * ففيه أبحاث :